السيد حيدر الآملي
325
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
رسّم أوّلا صور الموجودات كلّها في عالم العقول رسما كلّيّا إجماليّا المشار إليه في قوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ سورة الرعد : 39 ] . ثم انتقش منه بطريق الفيض بحكم قوله : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [ سورة القلم : 1 ] . إلى ألواح عوالم النفوس نقشا جزئيّا تفصيليّا لقوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ سورة البروج : 21 - 22 ] . ثمّ أوجدها في عالم الأجسام مطابقا لما في العالمين بحكم : وَالطُّورِ . وَكِتابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [ سورة الطور : 1 - 3 ] . فعالم الأجسام وما فيه من الموجودات والمخلوقات يكون عكس الصّور الّتي في عالم النّفوس وما فيه من الرّوحانيّات ، وعالم النّفوس وما فيه يكون عكس الصّور الّتي في عالم العقول وما فيه من المجرّدات ، وعالم العقول والمجرّدات يكون عكس عالم الأسماء والصّفات ، وعالم الأسماء والصّفات يكون عكس عالم الذّات وما فيها من الكمالات ، وإن شئت قلت : هذا بالنّسبة إلى الملك والملكوت والجبروت والأسماء والصّفات والذّات ، فإنّ الكلّ واحد . عباراتنا شتّى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : 43 ] . وإن قلت : إنّ من قوله الإجمالي وإن كان يفهم أنّه خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام ، لكن من قوله التّفصيلي يفهم أنّه خلق السماوات وما بينهما في ثمانية أيّام وهو قوله : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ